التخطي إلى المحتوى

ليس كلام الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله الأخير، مجرد تصعيد محدود هدفه الضغط لنيل حقوق لبنان في الترسيم البحري، بل إنه يعبر عن مسار جديد وتوجهات استراتيجية أعلنها صراحة نصرالله في الذكرى الأربعين لتأسيس الحزب، لها طابع لبناني داخلي يتعلق بموقع “حزب الله” وهيمنته، واستهدافات خارجية ترتبط بالمنطقة لها خلفية إيرانية وتتعلق بترسيم الحدود البحرية والبريّة مع إسرائيل وبالملف النووي الإيراني. فإذا كان نصرالله قد حسم أنه المقرر في ملف الترسيم وصاحب قرار الحرب والسلم متى شاء، يعني أنه قدم الملف الإقليمي كأولوية على التسوية اللبنانية الداخلية واحتمالات الفراغ، على الرغم من أنه تناول مستقبل النظام والدستور. ففي ظل مشهد إقليمي مرعب يذهب نصرالله إلى المعركة الإقليمية من دون اعتبار للملمة الوضع الداخلي اللبناني، وهو قد يعرض البلد لأخطار كبرى يصبح معه ملف الترسيم والثروة اللبنانية في البحر داخل دائرة النار.

كان واضحاً في كلام نصرالله حول الشق اللبناني أنه يسعى لأن يكون مقرراً في كل الملفات، وهو يرتكز في هذا المجال على فائض قوته وقدرته على التأثير إقليمياً. فإذا عدنا إلى الاستراتيجية الدفاعية تظهر معادلة “جيش – شعب – مقاومة” التي لم تعد تجيب عن الإشكالية المتعلقة بحماية لبنان، وهو يطرحها بما يتناسب مع موقع حزبه وقوته، وذلك بعدما بات أقوى من كل المكوّنات اللبنانية ومن الدولة نفسها، ليعيد استحضار كل الشعارات التي تعبئ جمهوره وتكرس دوره وهيمنته من إصراره مجدداً على تحرير مزارع شبعا رغم اشكالياتها واستعداده لأن يكون في الميدان دفاعاً عن النظام السوري في أي مواجهة مقبلة.

لا يكترث “حزب الله” لما يمكن أن تعكسه التطورات الإقليمية على الساحة اللبنانية. فبالنسبة إليه هو بات في موقع القوة والمقرر والمستفيد من كل التحولات في المنطقة والاحتمالات المتعلقة بالاتفاق النووي. فتطوير النظام اللبناني والبحث في صيغة جديدة لا يمكن أن يكونا خارج هيمنة الحزب، واستطراداً تعزيز موقع الشيعية السياسية في الحكم، خصوصاً أن لبنان اليوم بلا حكومة أصيلة وكل التوقعات تشير الى استحالة انتخاب رئيس جمهورية جديد بعد انتهاء ولاية ميشال عون في آخر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وذلك بسبب الانقسام والصراع المحتدم بين المكوّنات اللبنانية والمحاور التي تتحكم بالوضع اللبناني. وإذا حدث الفراغ في منصب الرئاسة الأولى وبقيت الحكومة لتصريف الأعمال لا يبقى سوى موقع شرعي واحد هو رئاسة مجلس النواب، والذي يمكنه أن يكون الحاكم الفعلي للبلد بهيمنة “حزب الله”، الأمر الذي يفتح على مرحلة جديدة في الكيانية اللبنانية والتركيبة السياسية والصيغة والنظام.

فتج نصرالله بؤر صراع جديدة باستحضاره لترسيم الحدود البرية، وهو يهدد بإشعال الحرب بعناوين لبنانية إنما بحسابات إقليمية، وتستهدف التعجيل لإيجاد حل للترسيم بما يتعلق بلبنان وإسرائيل، فيحسم أنه المقرر لبنانياً في الحرب والسلم في غياب الدولة اللبنانية. ويطرح هذا الأمر تساؤلات عما يحيط بالترسيم من ملفات مرتبطة بحسم مسألة الحدود البرية، خصوصاً في ما يتعلق بمزارع شبعا التي تحمل إشكاليات قانونية بالعلاقة مع سوريا التي تعتبرها جزءاً من الجولان المحتل. وقد يكون كلام نصرالله ذات طابع لبناني لكنه يقدم الملف الإقليمي كأولوية، والملف السوري ومزارع شبعا، يحملان ما هو أبعد من الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية، أي إبقاء الصراع مفتوحاً مع احتمالات الحرب والمواجهة إلى أمد بعيد ريثما تتضح صورة التوازنات في المنطقة، خصوصاً إذا جرى توقيع الاتفاق النووي. وعندما تُطرح مسألة الحدود البرية سيكون هناك من التعقيدات ما لا يُعد ولا يحصى، خصوصاً في ما يتعلق بمزارع شبعا التي يرفض النظام السوري الاعتراف بلبنانيتها، وكذلك قدرة لبنان على استثمار ثروته من الغاز والنفط.

الأزمة السياسية في البلد تشتد والإنسداد السياسي وصل إلى مرحلة لم يعد فيها ممكناً إيجاد حل في الفترة التي تفصلنا عن موعد انتخاب رئيس الجمهورية، فيما يتقدم “حزب الله” خطوات إلى الإمام ارتباطاً بمشاريع لها امتدادات إقليمية، علماً أن التركيب اللبناني الطائفي وصيغة البلد المعقدة تمنع قدرة أي طرف على تغيير هذا الواقع. لذا تبدو المعادلة اليوم هي أن “حزب الله” يملك فائض القوة وهو مقرر في أمور كثيرة وفي إمكانه أن يدفع الأمور إلى مستوى من التصعيد لتكريس وقائع على الأرض وبالأمر الواقع، والتدخل في أي مجال من دون اعتراض.

ويبدو أن حديث نصرالله عن النظام والدستور، في ظل التخبط الذي يعيشه البلد، يطرح احتمال الفراغ أو أن يأتي رئيس جمهورية ضمن موازين قوى مختلفة، تبدو اليوم لمصلحة “حزب الله”. فاستحقاق انتخاب الرئيس سيحدد مساراً سياسياً جديداً للبلد، أو يبقى الفراغ إلى حين الاتفاق على صيغة جديدة. وعلى هذا لا يمكن عزل تأثيرات المفاوضات النووية، فتوقيع الاتفاق سينعكس على لبنان حتماً خصوصاً على دور “حزب الله” فيه. ويبدو الحزب في هذا السياق مرتاحاً لوضعه من موقع فائض القوة، باعتباره أكثر قدرة اليوم على التأثير ويمتلك سلاحاً يفوق بأشواط مما كان يمتلكه سابقاً، وهو استعراضه في ملف ترسيم الحدود. وهذا يعني ترسيخ موقعه ومرجعيته في أي حل. وبطرح نصرالله لتوجهات جديدة في مسار الحزب يبقى البلد مهدداً بالحرب وباحتمالات أخرى.

نقلا عن النهار

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

Scan the code