التخطي إلى المحتوى

محمد عبد الرحمن 

لم يكن موت الفنان جورج الراسي ومنسّقة اعماله السيدة زينة المرعبي حدثا عاديا. يكاد يكون “الحدث” الذي شغل اللبنانيين حزنا وقهرا على شابين في ريعان العمر، قتلهما اهمال الدولة. ولكن “الحدث” بما فيه من اسى ووجع قلب، كشف عن نفوس مريضة عبّرت عن نفسها على مواقع التواصل الاجتماعي.

خسر البلد اذا فنانا احبّه كثيرون، وسيّدة، لم يكن كثيرون يعلمون ايّ شيء عنها، ولكن وفقط لأنها سيّدة، تحوّلت قضيّة وفاتها الى بثّ شائعات وتحريض. وامتلأت الصفحات بالاسئلة حولها والاحكام المسبقة المنزلة.

رحلت زينة اذا، تاركةً وراءها ثلاثة أطفال لم يعلموا بعد ربما ان أمهم قد فارقت الحياة، ولكن الملفت رحلت وظهر المحللون والمفكرون ومن يعتقدون انهم مكلفون من الله بالادانة والحكم على الناس.

فبدأت التحاليل تنهمر، حول ماهية العلاقة بين الراسي والمرعبي، علما انها منسقة اعماله وذلك كان معروفا للجميع منذ اللحظات الاولى للحادثة.

 لم يسمحوا للسيدة ان ترقد روحها بسلام. إنهم أصحاب العقول المتحجرة والضمائر النائمة.. بدؤوا برجم السيدة بأبشع وأقذر العبارات.

” شو رايحة تعمل معه بالليل”، ” مجوزة او مطلقة؟”، ” أكيد راجعين مسرعين كرمال ما ينعرف انه هيي كانت معه”، “أكيد مصاحبها على جوزها”،” أكيد مطفيين”، هذه عيّنة ممّا هو موجود من تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي. عيّنة يمكن نقلها طبعا، فهناك ما هو اسوأ بكثير من هذه الاسئلة، هناك ما هو “مريض” من التعليقات، هناك ما لا يمكن قراءته من دون ادراك حجم “العته” في افكار البعض.

بدأ كلّ من المعلقين بجلد السيدة على طريقته، ولكن لم يعلم أن كل انسان يرى الشخص الآخر بعين طبعه.

لم تتوقف الامور هنا، بل وصلت الى حد القيام بحملة ضدّ افراد عائلتها حتّى وحملة تحريم ونداءات بمنع تشييعها. والسبب؟ فقط لأنها كانت في سيارة يقودها رجل!

عادة، ربما تأقلمنا مع خطابات الكراهية والتنمر على جميع الأصعدة في هذا الفضاء المسمى التواصل الاجتماعي، ولكن ان يصل الامر الى هذا الحد من الخطابات التي تمسّ بالموت وحرمته الحكم عليه وتكفيره والتشاور “بادخاله الجنة ام النار”، فهنا قد نكون ارتطمنا بالقعر! حقاً نحن في القرن الحادي والعشرين، ولكن في الواقع للأسف نحن ندعي الانفتاح ولكن نتأرجح في التخلف.

المشكلة الحقيقية ليست في هذه الامراض السلوكية التي تتفجّر في مواقع التواصل الاجتماعي لدى البعض. المشكلة في تأثيراتها على حياة البعض.. ومماته، على سيرته التي تختصر بأحكام سخيفة. المشكلة في ان الشائعات تعيش في رؤوس البعض، وتنقل على السنة الآخرين، وفي انها تحيط بالشخص المعني، بحياته، وبعائلته ومحيطه في مماته.

 فإلى اي حد يتمادى البعض في التنكيل في ارواح سقطت على غفلة لأن دولتنا الكريمة لم تمرّ يوما الى جانب السلامة المرورية؟ والى اي مدى يستطيع البعض ان ينصّب نفسه مكلّفا الهيا بالحكم على الناس؟

زينة المرعبي سيّدة عملت بعرق جبينها وماتت وهي عائدة من عملها. كفّوا السنتكم عنها وفكّروا مرّتين قبل ان تنطقوا بتعليق من وراء الشاشة وانتم تتمدّدون على اريكتكم “لا شغلة ولا عملة” وتتحدثون عن شرف السيّدة وهويتها وتطلقون التحليلات. خسئتم وتعليقاتكم.

Scan the code