التخطي إلى المحتوى

لم يعد بقاء عون في بعبدا مجرّد تكهّنات على خلفية أنه لا يمكن في ظل حكومة مستقيلة لفراغ على مستوى السلطة التنفيذية أن يملأ فراغاً على مستوى رئاسة الجمهورية.

بيروت ـ «القدس العربي»: 4 أيام تفصل اللبنانيين عن بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون في 31 تشرين الأول/أكتوبر في ظل تخوّف من «تمرّد» جديد ينفّذه عون على غرار ما فعله عامي 1989 و1990 عندما رفض مغادرة القصر الجمهوري كرئيس للحكومة الانتقالية وتسليم مقاليد الحكم إلى الرئيس المنتخب بعد اتفاق الطائف رينيه معوض ومن ثم الياس الهراوي.
ولم يعد الحديث عن بقاء عون في بعبدا مجرّد تكهّنات بعد الإشارات المتكررة التي تصدر عن عون أو الفتاوى التي تصدر عن مستشاره الوزير السابق سليم جريصاتي أو عن التيار الوطني الحر على خلفية أنه لا يمكن في ظل حكومة مستقيلة لفراغ على مستوى السلطة التنفيذية أن يملأ فراغاً على مستوى رئاسة الجمهورية.
هذا «التمرّد» في حال حصوله مرة جديدة سيعود بالأذى الكبير على وضع المسيحيين في لبنان لأنه سيكون باباً لأزمة سياسية ودستورية كبرى ويهدّد بفوضى وبمواجهات واصطفافات طائفية ومذهبية لا تُحمَد عقباها، وسيعيد إلى الأذهان الحروب المدمّرة التي شنّها الجنرال عون ودفع ثمنها المسيحيون، وأعادت الجيش السوري إلى جزء كبير من المناطق المسيحية وتحديداً إلى بعبدا والمتن.
أما الأسباب الحقيقية لبقاء عون في بعبدا فتتعدّى مسألة رفض تسليم صلاحيات رئاسة الجمهورية إلى حكومة مستقيلة بل تتصل بكيفية توفير الظروف لتوريث جبران باسيل مقاليد الحكم سواء عبر انتخابه رئيساً بدعم من حزب الله أو عبر اجتهاد غريب عجيب بتعيينه رئيساً لحكومة انتقالية على غرار التجربة التي أقدم عليها الرئيس أمين الجميّل في ربع الساعة الأخير من ولايته عندما عيّن عون رئيساً لحكومة عسكرية مؤلفة من أعضاء المجلس العسكري في الجيش اللبناني، مع ما تعنيه مثل هذه الخطوة من إنقسام سياسي ووطني بين حكومة يترأسها نجيب ميقاتي وأخرى يترأسها جبران باسيل.
وإذا كانت خطوة الرئيس الجميّل تصحّ قبل نظام الطائف فهي لا تصحّ بعده، إنما قد يكون سيناريو تعيين باسيل كشخصية مارونية متعمّداً في محاولة للانقلاب على الطائف. ومثل هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام مخاطر دستورية كبيرة في ظل وجود سلاح حزب الله وموازين القوى الجديدة، إذ يعتقد عون وتياره أن الصلاحيات الرئاسية التي سُلبت من رئيس الجمهورية الماروني وأعطيت لمجلس الوزراء مجتمعاً والذي تترأسه شخصية سنية يمكن استعادتها في هذه المرحلة في ظل ما تشهده الساحة السنية من تضعضع ومن أفول للحريرية السياسية بعد قرار الرئيس سعد الحريري تعليق العمل السياسي.
ولكن هذا الرهان العوني هو بمثابة لعبة خطيرة قد تضرب ما تبقّى من مكاسب للمسيحيين في السلطة ومن صلاحيات وخصوصاً قد تضرب المناصفة التي تقرّرت في اتفاق الطائف لصالح المثالثة، عدا عن تهديد بعض المواقع الأساسية التي ما زالت بيد المسيحيين وتحديداً الموارنة كمنصب قائد الجيش ومنصب حاكم مصرف لبنان ومنصب رئيس مجلس القضاء الأعلى وغيرها من المواقع الوزارية والنيابية. فإذا كانت حرب التحرير وحرب الالغاء اللتين أعلنهما عون في أواخر الثمانينات أوصلتا إلى اتفاق الطائف وإلى خسارة المسيحيين الكثير من الامتيازات في السلطة فإن أي رهان فاشل جديد قد يقضي على ما تبقّى من هذه الامتيازات من أجل مصالح شخصية أنانية لا علاقة لها بمصلحة المسيحيين.
من هنا، فإن الحاجة ملحّة إلى الاسراع بانتخاب رئيس بديل للرئيس عون في قصر بعبدا قبل الدخول في أزمة وطنية كبيرة، مع أن الأجواء لا توحي بالايجابية وبإمكانية انتخاب رئيس في المهلة الدستورية في ظل التوجهات المتباينة لكل من حزب الله وفريق 8 آذار/مارس من جهة والفريق السيادي والتغييري من جهة أخرى، وتلويح كل فريق بإحتمال عدم تأمين النصاب لجلسة الانتخاب إن كانت ستؤدي إلى وصول رئيس تحدٍ.
وإذا كانت التوازنات السياسية في مجلس النواب اختلفت نسبياً عن برلمان 2018 لناحية عدم امتلاك حزب الله أكثرية 71 نائباً إلا أنه ما زال مع حليفه الرئيس نبيه بري الطرف الأقوى في المجلس والأكثر تماسكاً بخلاف وضعية الفريق السيادي والتغييري الذي فشل في انتخابات نائب رئيس مجلس النواب وأمين السر، بعد تسرّب أصوات لصالح فريق 8 آذار سواء من النواب السنّة من قدامى «كتلة المستقبل» أو من نواب التغيير والمستقلين.
وإذا كانت القوات اللبنانية تحسّن حضورها النيابي وباتت الكتلة الأكبر نيابياً والأكثر تمثيلاً للمسيحيين، فهي تحاول جمع الفريق السيادي والتغييري وإعادة التواصل مع حزب الكتائب ونواب مستقلين لتشكيل جبهة قوية وموحدة خلف مرشح قوي لرئاسة الجمهورية والحؤول دون وصول رئيس من فريق 8 آذار ومنع تكرار تجربة ميشال عون الفاشلة في الحكم. إلا أن نصف الاستدارة المفاجئة التي نفّذها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ولقاءه وفداً من حزب الله أثّر على وحدة الفريق السيادي وخصوصاً لناحية تمايزه ودعوته إلى انتخاب رئيس غير استفزازي. وإلى التمايز الجنبلاطي ترتسم علامات استفهام حول موقف النواب السنّة وإمكان تشكيلهم كتلة انتخابية متماسكة على غرار ما كانت عليه حال «تيار المستقبل» قبل تعليق الحريري عمله السياسي، حيث كان الحريري أحد أركان التسوية التي أوصلت عون عام 2016، ولم يكن بالامكان وصوله لولا هذه التسوية التي ترافقت مع اتفاق معراب.
وفي ضوء خريطة توزّع القوى السياسية داخل مجلس النواب يمكن القول إن حزب الله وحلفاءه بإمكانهم تأمين 65 صوتاً لانتخاب رئيس في الدورة الثانية، غير أن هذا الفريق لا يمكنه ضمان النصاب القانوني الذي يتطلّب 86 نائباً، والعكس صحيح بالنسبة إلى الفريق السيادي والتغييري. ما يعني أن لا امكانية لتكرار رئيس شبيه بميشال عون وهناك صعوبة لوصول رئيس من فريق 14 آذار، ويبقى الفراغ المرشح الأقوى.

Scan the code