التخطي إلى المحتوى

على مشارف انتهاء ولاية رئيس الجمهورية «ميشال عون» في 31/10/2022 وترجيح تسليم العهد موقع رئاسة الجمهورية إلى الفراغ ما لم تحدث قبل هذا التاريخ تسوياتٌ كبرى في المنطقة والشرق الأوسط تطال لبنان، عهدٌ قادم من الفراغ الرئاسي لأكثر من سنتين، وبين الفراغات من عرقلة ومنع تشكيل الحكومات أو تعطيلها مضى، وإلى الفراغ يعود، جدل دستوري مصطنع وغير مبرّر حول صلاحيات رئيس الجمهورية ورفض الفريق الرئاسي تولّي صلاحيات الرئيس من قبل حكومة تصريف الأعمال باعتبارها حكومة غير مكتملة المواصفات.

رئيس الرابطة المارونية السفير خليل كرم نقل رؤية الرئيس عون بعد لقائه به في قصر بعبدا في 25/8/2022، وهي تتلخّص بعدم قدرة حكومة تصريف الأعمال على ممارسة مسؤولياتها على نحو كامل في حال تعذّر انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وبأن الفراغ على مستوى السلطة التنفيذية غير المكتملة المواصفات وغير الحائزة على ثقة مجلس النواب لا يمكنه أن يملأ فراغاً على مستوى رئاسة الدولة. وقد أكد الرئيس عون على ضرورة تشكيل حكومة جديدة في أسرع وقت ممكن، وعلى عدم جواز تعطيل هذا الاستحقاق تحقيقاً للمصلحة الوطنية العليا، ولانتظام العمل في المؤسسات الدستورية، ولصون الشراكة الوطنية من خلال تشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية.

المفارقة في كلام الرئيس ودعوته إلى عدم تعطيل الاستحقاق الحكومي أنه لا يتلاءم مع ممارساته الشخصية ومسؤوليته الأكيدة عن تعطيل تشكيل الحكومات أو عرقلته لغاية فرض شروط تياره السياسي على رئيس الحكومة المكلف، والهيمنة على التشكيل الوزاري في استباحة واضحة ومصادرة فاضحة لصلاحيات الرئيس المكلف بموجب المادة 64 من الدستور. وقد تكررت أزمة تشكيل الحكومات وتكرسّت سياسة «تعويم الفراغ» في عهد الرئيس عون كما لم يحصل في كل العهود الرئاسية السابقة، وباتت صلاحية الرئيس المكلف في التشكيل واختيار الوزراء في حكومته معطّلة بفعل امتناع رئيس الجمهورية عن توقيع مرسوم تشكيل الحكومة بحجّة عدم اتفاقه مع الرئيس المكلف على إصدار هذا المرسوم بموجب البند 4 من المادة 53 من الدستور. والحقيقة أن صلاحية رئيس الجمهورية في إصدار مرسوم تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء لا يمكن من الناحية الدستورية الصحيحة أن تتحول إلى صلاحية امتناع عن إصدار مرسوم التشكيل إلى حين فرض شروط غير دستورية على الرئيس المكلف، ومنعه من متابعة مهمته الدستورية في تشكيل الحكومة تمهيداً لتقدمها من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم التشكيل.

صلاحيات رئيس الجمهورية بموجب الدستور

بالرغم من النص في المادة 65 من الدستور على إناطة السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، إلا أنه تبقى لرئيس الجمهورية صلاحيات محددة نص عليها الدستور اللبناني، وهي صلاحيات معروفة في الأنظمة البرلمانية التقليدية. ولا يمكن لرئيس الجمهورية ممارسة صلاحياته بالاستقلال التام عن مجلس الوزراء، فجميع مقرراته يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون باستثناء مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة وفق المادة 54 من الدستور. ومن صلاحيات الرئيس على سبيل المثال: إصدار القوانين وفق المهل الدستورية وطلب نشرها (المادة 51). ويشترك رئيس الحكومة معه في التوقيع على مراسيم القوانين (المادة 54). والمفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة بعد موافقة مجلس الوزراء. وفي بعض الحالات بعد موافقة مجلس النواب (المادة 52). ويصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء أو إقالتهم. ويعتمد السفراء ويقبل اعتمادهم. ويرأس الحفلات الرسمية ويمنح أوسمة الدولة بمرسوم. ويمنح العفو الخاص بمرسوم. ويعرض أي أمر طارئ على مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال. والطلب الى مجلس الوزراء حل مجلس النواب في الحالات المنصوص عليها في الدستور، وإصدار مرسوم الحل. والطلب إلى مجلس الوزراء إعادة النظر في أي قرار من قرارات المجلس خلال 15 يوماً من تاريخ إيداع القرار رئاسة الجمهورية. وطلب إعادة النظر في القانون بعد إطّلاع مجلس الوزراء.

الفراغ الرئاسي وانتقال صلاحيات الرئيس إلى مجلس الوزراء

نبقى في الدستور ونص المادة 62 كما تعدّلت بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990: «في حال خلو سدّة الرئاسة لأية علّة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء». وكذلك نص المادة 64: «… لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال…».

أولاً – المادة 62 من الدستور: تُعتبر هذه المادة واضحة وصريحة في نصها على أنه في حال خلو سدة الرئاسة لأية علّة، ومنها انتهاء ولاية الرئيس دون التمكن من انتخاب رئيس جمهورية جديد على سبيل المثال، فإن صلاحيات رئيس الجمهورية يتولاها وكالة مجلس الوزراء، والعبارة الواردة في هذه المادة نصت حرفياً على مصطلح «مجلس الوزراء» وليس مصطلح «الحكومة»، وبالتالي فالمسألة تتعلق بتولي «مجلس الوزراء» لهذه الصلاحيات بصرف النظر عن صفة «الحكومة» سواء كانت حكومة حائزة على الثقة أم لا، أو كانت حكومة مستقيلة أو باعتبارها مستقيلة. وهذا يتفق مع مبدأ الاستمرارية، وعدم الوقوع في الفراغ الدستوري، وهو موقف الفقه والاجتهاد في معظم دول العالم.

ثانياً – المادة 64 من الدستور: من خلال هذه المادة وما جاء في البند الثاني منها بخصوص حكومات تصريف الأعمال يبقى السؤال: ما هو جدوى الجدل الدستوري حول مدى انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل حكومة تصريف الأعمال طالما أن المادة 64 من الدستور تفرض على الحكومة قبل نيلها ثقة مجلس النواب أو بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة ممارسة صلاحياتها ضمن المعنى الضيق لتصريف الأعمال؟

إن ما تقوم به حكومة تصريف الأعمال بهذا المعنى الضيق في فترة ولاية رئيس الجمهورية، ومشاركة رئيس الحكومة والوزراء المختصين بالتوقيع مع رئيس الجمهورية على جميع مقرّراته لا يختلف عما يمكن أن تقوم به هذه الحكومة بعد انتهاء الولاية الرئاسية لتحقيق مصلحة الدولة وأمنها وتعزيز علاقاتها الخارجية، ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة التي ينفرد رئيس الجمهورية بالتوقيع عليها بحكم المادة 54 من الدستور. ومع كونها حكومة تصريف أعمال بانتظار انتخاب رئيس جمهورية جديد وتشكيل حكومة جديدة، لا يعود هناك جدوى حقيقية من هذا الجدل إلا في إطار حملة سياسية يقودها التيار الوطني الحر مع اقتراب حلول الأجل الدستوري لولاية الرئيس وزوال العهد تحت عناوين ومعارك وهمية بحجّة الدفاع عن موقع رئاسة الجمهورية وحقوق المسيحيين في لبنان.

النتيجة: جدل مصطنع حول صلاحيات الرئيس وأهداف فئوية وطائفية 

جدل فراغي مصطنع وفارغ حول صلاحيات رئيس الجمهورية، وإمعان في خرق الدستور وهلهلة أحكامه، واجتياح رئيس الدولة ومستشاريه لنص المادة 62 عبر فتاوى لا دستورية لضرب المؤسسات وما بقي من أسس الدولة المهترئة في لبنان. أهداف فئوية وطائفية وتحريض على الفتنة يبدأ من الدعوة إلى بقاء الرئيس عون في قصر بعبدا بعد انتهاء ولايته الرئاسية ولحين انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ولا ينتهي مع هرطقة تسليم صلاحيات رئيس الجمهورية إلى قائد الجيش، وإبداعات التيار الرئاسي الأخيرة في تهديد القضاء بالمحاسبة، ومواصلة الحرب على دستور الطائف وموقع رئاسة الحكومة وصلاحياتها في النظام البرلماني اللبناني.

Scan the code